مصطفى لبيب عبد الغني

94

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ورأى الرازي في قضية المفاضلة بين طبيب القياس وطبيب التجربة ، وهي قضية شغلت معاصريه ، يعبر عنه قوله : « ينبغي للمعنىّ بأمر الطب أن يجمع رجلين : أحدهما فاضل في الفن العلمي من الطب ، والآخر كثير الدربة والتجربة ، ويصدر عن اجتماعهما في أكثر الأمر » « 1 » . إذن فالعلاقة بين التجربة العلمية والفرض النظري علاقة جدلية . والعمل لا ينفصل عن النظر . فالرازى - الأستاذ العالم - ليس له أن يغفل الجانب النظري من العلم ، والرازي - الطبيب الممارس - ليس له أن يغفل الفن العلمي - ونموذج الطبيب عنده هو الجامع بين الجانبين . ولم يكن للرازي بدّ أن يبيّن ما يكون عليه الحال لو تعارض الجانبان في مناسبة ما . وليس بالمستغرب على الرازي - بمزاجه العملي - أن يأتي تصوره متفقا مع ميله إلى التجريب ؛ يقول الرازي : « فينبغي للمعنىّ بأمر الطب أن يجمع بين رجلين ؛ أحدهما فاضل في المعنى العلمي من الطب والآخر كثير الدربة والتجربة ، ويصدر عن اجتماعهما في أكثر الأمر . فإن اختلفا في شئ فليعرض ما اختلفا فيه على كثير من أصحاب التجارب . فإن أجمعوا جميعا على مخالفة صاحب النظر قبل منهم ، فإن الشكوك المغلطة تقع على الأكثر في الفن العلمي النظري ، أكثر من التجربة . فإن لم يتهيأ له إلا أحد الرجلين ، فليختر المجرّب . فإنه أكثر نفعا في صناعة الطب من العاري عن الخدمة والتجربة البتة » . * * *

--> ( 1 ) المصدر السابق ، ص 511 .